بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله السلام عليكم ورحمة الله
بدأت أولى محطات حياته في مدينة “الأهواز”، حيث أبصر النور في العقد الرابع من القرن الثاني الهجري. لم يدم بقاؤه فيها طويلاً، إذ سرعان ما غادرها وهو طفل صغير برفقة أمه بعد وفاة والده. كانت الوجهة هي “البصرة”، عاصمة العلم والأدب في ذلك الزمان. مكوثه في البصرة كان الأطول والأهم في مراحل تكوينه الأولى، فقد عاش فيها طفولته وشطراً كبيراً من شبابه، كانت طبيعة مدينة البصرة تعج بحلقات العلم وأسواق الأدب، مما وفر له بيئة خصبة للتعلم.
في البصرة، اشتهر الشاعر العباسى والبة بن الحباب الكوفى، بشعر الغزل، والظرف والمجون وأيضا الخلاعة، من أهل الكوفة. من بنى نصر بن قعين، من أسد بن خزيمة، ما يبالى ما قال ولا ما صنع فى شعره، نزل البصرة فرأى غلاما فى البصرة، يبرى العود، فاستصحبه إلى الأهواز ثم إلى الكوفة، فكان هذا الغلام هو أبو نواس وكان والبة يتنبأ بمستقبل باهر لتلميذه، حتى إنه قال يومًا: رأيت إبليس فيما يرى النائم كأنه أتانى فقال لي: ترى غلامك الحسن بن هانئ هذا؟ قلت: ما شأنه؟ قال: إنّ له لشأنا والله لأغوين به الأمة، ولألقين محبته فى قلوبهم». ونحن لا ندرى مدى صدق الرؤية لكنها على كل حال تظهر مدى اهتمام والبة بتلميذه، وأنه يثق من قدراته البلاغية حتى يصبح فتنة أدبية لأمة العرب.
كما جلس في البصرة إلى كبار أئمة اللغة والأدب، فأخذ عن “خلف الأحمر” الذي يذكر أن أبا نواس استأذن خلف الأحمر في نظم الشعر، فقال له: لا آذن لك في الشعر إلا أن تحفظ ألف مقطوع للعرب ما بين أرجوزة وقصيدة ومقطوعة. فغاب عنه مدة ثم عاد إليه وقد حفظ ذلك، فقال له خلف: أنشدها، فأنشدها أكثرها في عدة أيام، ولكنه قال له بعد ذلك: لا آذن لك في قول الشعر حتى تنسى هذه الألف كأنك لم تحفظها! ويقال: إن أبا نواس ذهب إلى بعض الأديرة وخلا بنفسه وأقام مدة حتى نسيها! ثم حضر إلى خلف الأحمر وقال له: لقد نسيتها حتى كأن لم أحفظها! فقال له الأحمر: الآن انظم الشعر!
فطلب خلف الأحمر من تلميذه أبي نواس أن يرثيه في حياته فقال:
أودى جماع العلم مذ أودى خَلَف
من لا يُعدُّ العلمُ إلاَّ ما عرف
كنـــا متى ما ندنُ منــــه نغتـــرف
رواية لا تُجتنى من الصُحف
فنقد خلف الأحمر على الأبيات، فقال له أبو نواس “مُت ولك خيرٌ منها”.
فقال له خلف، “كأنك قصّرت؟”.
فقال له أبو نواس، “ليس هذا، ولكن أين باعث الحزن؟!”.
وتعلم من ابي عبيدة فقيل في احد المواقف بينهما انه جاء أبو نواس في يوم شديد الحر بناطف فألقاه على سارية أبي عبيدة وجاء أبو عبيدة فاتكأ على قفاه إلى السارية فلما انتصف النهار واشتد الحر ذاب الناطف فسال على وجه أبي عبيدة وعينيه ولحيته وثيابه فقال قبح الله الماجن الخبيث أبا نواس فإن هذا من عمله
أخبار أبي نواس = ملحق الأغاني (356) - المجلد 1 - الصفحة 110 - جامع الكتب الإسلامية
واخرين غيرهم.
انتقل أبو نواس بعد ذلك إلى “الكوفة” لفترة برفقة أستاذه والبة بن الحباب، يُحكى أن الشاعر العباسي “أبا نواس” خرج يوماً يمشي في أحد أحياء الكوفه، قُبَيل عيد الأضحى فرأى أعرابياً معه أغنام يسوقها، فابتدره قائلاً :
أيا صاحب الذود اللواتي يسوقها
بكم ذلك الكبش الذي قد تقدما
فأجابه الأعرابي على الفور، و شعراً من نفس الوزن والرويّ
قال :
أبِيعُكَهُ إن كنت تبغي شراءَه
و لم تكُ مزَّاحاً بعشرين درهما
فقال أبو نواس :
قال :
أجَدْتَ هداك الله رجع جوابنا
فأحسن إلينا إن أردت تَكَرُّما
فقال الأعرابي :
أحطّ من العشرين خمساً لأنني
أراك ظريفًا فاقْبِضَنه مُسَلِّماً
بيْد أن أبا نواسٍ انصرف، و يحكى أن الناس الذين كانوا متجمعين يشهدون هذه المفاصلة في السعر بالشعر.
قالوا للأعرابي: أتدري من كنت تكلم؟
قال: لا
قالوا: إنه “أبو نواس”
فما كان من الرجل إلا أن حمل الكبش وأسرع حتى أدرك أبا نواس فأقسم له إن لم يأخذه هدية منه خالصه ليتركنّ كل غنمه في الطريق.
فأخذها أبو نواسٍ، وسأل عن الرجل...!؟
فقالوا : إنه أعرابيٌ من “باهلة”.
فقال :
و باهليٍ من الأعرابِ منتخبِ
جادت يداه بِوَافي القرنِ والذنَبِ
فإن يكنُ باهِلِياً عند نسبَتهِ
فَفعْله قرشيٌ كامِل الحسب.
قبل أن يقرر الارتحال إلى “البادية”. أقام في البادية قرابة العام الكامل بين قبيلة بني أسد، وكان سبب مكوثه هناك هو رغبته في إتقان اللغة العربية الصافية من منابعها الأصلية، والابتعاد عن اللحن الذي بدأ يتسرب إلى المدن.
ابو نواس في بغداد
حينما كانت بغداد في العصر العباسي بمثابة قِبلة الدنيا، وعاصمة الحضارة، ومسرحاً يضج بالعلماء والشعراء والجواري وقصور الخلفاء، لم يكن هناك صوت يعبر عن روح هذه المدينة الصاخبة والمترفة أصدق من صوت الحسن بن هانئ، “أبو نواس”.
كانت بغداد بالنسبة لأبي نواس تمثل ذروة التطور الحضاري والمادي، وهذا ما جعله يثور على التقاليد الشعرية القديمة التي تفرض على الشاعر البدء بالبكاء على الأطلال والخيام البالية. كيف يبكي على أطلال دارسة وهو محاط بقصور الرشيد وبساتين دجلة ومجالس الطرب في الكرخ؟ لقد أعلن تمرده الصريح على حياة البداوة، مفضلاً وصف حياة الحاضرة البغدادية بكل تفاصيلها المترفة، وهو ما خلده في بيته الشهير الذي يقطر سخرية من النمط القديم:
عاجَ الشَقِيُّ عَلى دارٍ يُسائِلُها
وَعُدتُ أَسأَلُ عَن خَمّارَةِ البَلَدِ
لا يُرقِئُ اللَهُ عَينَي مَن بَكى حَجَراً
وَلا شَفى وَجدَ مَن يَصبو إِلى وَتَدِ
قالوا ذَكَرتَ دِيارَ الحَيِّ مِن أَسَدٍ
لا دَرَّ دَرُّكَ قُل لي مَن بَنو أَسَدِ
وَمَن تَميمٌ وَمَن قَيسٌ وَإِخوَتُهُم
لَيسَ الأَعاريبُ عِندَ اللَهِ مِن أَحَدِ
دَع ذا عَدِمتُكَ وَاِشرَبها مُعَتَّقَةً
صَفراءَ تُعنِقُ بَينَ الماءِ وَالزَبَدِ
علاقته بالخلفاء
رغم أن علاقته بهارون الرشيد كانت تتسم بالحذر والترقب، وتخللها السجن غير مرة بسبب مجون الشاعر وتجاوزه للخطوط الحمراء، مثل احد مواقفه حيث ألقى أبو نواس قصيدة في مجلس هارون الرشيد يمدحه بها، فتجاهله الخليفة ولم يكافئه, بسبب جارية سوداء كانت في مجلسه تُدعى خالصة كان يحبها، وقد أهداها عقدًا من الدُر. فغضب أبو نواس وكتب:
لقد ضاعَ شِعري على بابِكُم
كما ضاعَ درُّ على خالِصَة
فعلم الخليفة بذلك وأمر بإحضار أبي نواس، فعَلِم أبو نواس بالأمر، فمحى أسفل حرف العين في كلمة “ضاع” لتكون همزة. فأصبح البيت:
لقد ضاءَ شِعري على بابِكُم
كما ضاءَ درُّ على خالِصَةْ
فقال أحد الحاضرين: ذلك بيتٌ قُلِعَت عيناه فأبصر!
إلا أن عصر بغداد الذهبي بالنسبة لأبي نواس تجلى في خلافة محمد الأمين. كان الأمين محباً للحياة، مولعاً بالأدب وجلسات السمر، فوجد في أبي نواس النديم والصديق المقرب.
في تلك الفترة، سادت قصائد “الخمريات” التي تعتبر أروع ما جاد أبي نواس. لم تكن هذه القصائد مجرد وصف لمجالس الشرب، بل كانت لوحات فنية دقيقة، وتصور الأواني الفارسية، وسقاة الخمر، وأحاديث الندماء. ومن أشهر ما نظمه في تلك المجالس رائعته التي تعد من عيون الشعر العربي:
دَع عَنكَ لَومي فَإِنَّ اللَومَ إِغراءُ
وَداوِني بِالَّتي كانَت هِيَ الداءُ
صَفراءُ لا تَنزِلُ الأَحزانُ ساحَتَها
لَو مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتهُ سَرّاءُ
اما عن مدحه للخلفاء فقد قال بالأمين:
إِنَّ الخِلافَةَ لَم تَزَل
تَزهو وَتَفخَرُ بِالأَمينِ
وَتَحِنُّ مِن شَوقٍ إِلَيهِ حَنينَ دائِمَةِ الحَنينِ
بَدرُ الأَنامِ مُحَمَّدٌ
أَخَذَ المَكارِمَ بِاليَمينِ
وَاِبنُ الخَلائِفِ وَالَّذي
سَبَقَت بِهِ طيبُ الغُصونِ
ابو نواس في مصر
هرب ابو نواس الى مصر بعد نكبة البرامكة في بغداد بعد أن سمع عن أمير خراجها أبو النصر الخطيب وحبه للأدب وإكرامه للشعراء، عندما وصل ابو نواس الى مصر مدح الخصيب فأنشد:
إِذا لَم تَزُر أَرضَ الخَصيبِ رِكابُنا
فَأَيَّ فَتىً بَعدَ الخَصيبِ تَزورُ
فَتىً يَشتَري حُسنَ الثَناءِ بِمالِهِ
وَيَعلَمُ أَنَّ الدائِراتِ تَدورُ
فَما جازَهُ جودٌ وَلا حَلَّ دونَهُ
وَلَكِن يَصيرُ الجودُ حَيثُ يَصيرُ
الى اخر القصيدة المكونة من 40 بيت
حدثت بعض القلائل في مصر أثناء إقامة أبي نواس فيها، وخرج الناس في تظاهرات وتحركات كالتي نراها في أيامنا هذه، فغضب والي مصر، وشارك أبو نواس في تهدئة الناس وأسمعهم بعض شعره ونصحه لهم قائلا:
مَنَحتُكُمُ يا أَهلَ مِصرَ نَصيحَتي
أَلا فَخُذوا مِن ناصِحٍ بِنَصيبِ
وَلا تَثِبوا وَثبَ السِفاهِ فَتَركَبوا
عَلى حَدِّ حامي الظَهرِ غَيرِ رَكوبِ
فَإِن يَكُ فيكُم إِفكُ فِرعَونَ باقِيا
فَإِنَّ عَصا موسى بِكَفِّ خَصيبِ
رَماكُم أَميرُ المُؤمِنينَ بِحَيَّةٍ
أَكولٍ لِحَيّاتِ البِلادِ شَروبِ
في الخاتمة ان هذا التكوين المعرفي المتنوع انعكس على مكانته وشهرته التي طبقت الآفاق. في الأوساط الشعرية، تُوج أبو نواس بلا منازع زعيماً لطبقة “المحدثين”، وصار شعره مدرسة قائمة بذاتها، يقتدي بها الشعراء وتُضرب بها الأمثال في التجديد وكسر القوالب التقليدية.
أما بين أشهر علماء التاريخ واللغة، فقد حظي بمكانة استثنائية قلما ينالها شاعر مجدد. فقد كان علماء اللغة المتشددون في قبول الشعر المحدث، أمثال “الأصمعي” و”أبي عبيدة”، يقرون بمتانة لغته وصحة تراكيبه رغم تحفظهم على موضوعات شعره. ويكفي للدلالة على مكانته العلمية ما قاله المؤرخ وعالم الأدب “الجاحظ”، الذي صرح بأنه لم يرَ رجلاً أعلم باللغة، ولا أوسع قاموساً من أبي نواس. هكذا، استطاع هذا الشاعر أن يجمع بين اعتراف الأكاديميين الصارمين، وبين إعجاب الأوساط الأدبية والشعبية، ليظل اسماً عصياً على النسيان في ذاكرة التاريخ.



ما شاء الله حلو كثير
استمر جميل جدا ✨✨👌
اللهم بارك هذا المقال مفروض يحنطونه