بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يقول أبو نُوَاس:
ما زلت أستلُّ روحَ الدنِّ في لُطُفٍ
وأستقي دمه من جوف مقروح
حتى انثنيت ولي روحان في جسدي
والدنّ منطرح جسمًا بلا روح
ها هو ابو نواس يفرد للخمريات بابًا مستقلاً، فجعل له عالمًا خمريًا متكاملاً وفي قصائد مستقلة، بل في قالب قصصي، ذكر فيه الساقية ومجلس الشراب والندامى والحانة
ترك أبو نواس الوقوف على الأطلال، وبدأ قصائده بذكر الخمرة، وأحيانًا بنوع من الاستهانة بالعرب وتقاليدهم:
لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند
واشرب على الورد من حمراء كالورد
فالخمر ياقوتة والكأس لؤلؤة
في كفّ جارية ممشوقة القدّ
تسقيك من طرفها خمرًا ومن يدها
خمرًا فما لك من سكرين من بد
وصف الخمرة بألوانها وتأثيرها وما تقادم منها، فهي الدواء للداء- يقول ذلك بنوع من تأثره بالفلسفة، حيث كان الشاعر مثقفًا مطلعًا على العلم الذي عُرف في عصره:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء
وداوني بالتي كانت هي الداء
يخاطب الشاعر هنا إبراهيمَ النظّام الشيخ المعتزلي، وكان يشير إليه بحرمة الخمرة وأنها كبيرة، وكان يقول له: إن الله لا يعفو عن مرتكب الكبائر.
يجيبه الشاعر:
فقل لمن يدعي في العلم معرفة
حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء
لا تحظرِ العفوَ إن كنتَ امرأً حرِجًا
فإن حظرَكَه بالدين إزراء
وكان يقول رغم تردده على بلاط الخلفاء:
ألا فاسقني خمرًا وقل لي هي الخمر
ولا تسقني سرًا إذا أمكن الجهر
فما العيْشُ إلاّ سكرَة ٌ بعد سكرة ٍ
فإن طال هذا عندَهُ قَـصُــرَ الـدهــرُ
فَبُحْ باسْمِ من تهوى، ودعني من الكنى
فلا خيرَ في اللذّاتِ من دونها سِتْر
اختصرت كثير من خمريات ابو نواس لكيلا يطول المقال
زهد ابو نواس
رغم ما عُرف عن الشاعر من شعر المجون، وشعر الخَمْرِ؛ فإنه تاب ورجع عن فُحشه، وقد كان أبو نُواس - في صغره - يُقبل على مجالس الفقه والحديث، والمنطق وغيرها من العلوم، يقول عبدالله بن المعتزِّ (قُتل 296هـ): “كان عالمًا فقيهًا عارفًا بالأحكام والفتيا، بصيرًا بالاختلاف، صاحب نظر ومعرفة بطرق الحديث، يعرف ناسخ القرآن ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه” (طبقات الشعراء المحدثين، ص: 208).
ويقول محقِّق ديوان أبي نُواس أحمد عبدالمجيد الغزالي: “وكان الحسن من الذكاء وتفتُّح النفس والنَّهم الشديد للعلم، بحيث لا تفوتُه ليلة لم يركب ظلامها إلى المسجد، ولا حلقة لم يجلس إليها، ولا عالم أو راوية، أو محدِّث، أو فقيه، إلا استمع إليه، ونقل عنه”.
هذا، وقد وقر في قلبي أن أبا نواس لا يمكن اختزالُه في شعر المُجون، بل إن للشاعر صفحةً مُضيئةً في شعره تجلَّت في زهدياته.
ويُحكى أن الإمام الشافعيَّ دخل على أبي نواس فوجده يجود بنفسه، فقال له: ما أعددت لهذا اليوم؟ فقال:
تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمَّا قَرَنْتُهُ
بِعَفْوِكَ رَبِّي كَانَ عَفْوُكَ أَعْظَمَا
ورغم ما قيل في شأن توبة أبي نواس، واختلاف النقّاد في حقيقتها، يقول الناقد محمد نجيب البهبيتي: “إن أبا نواس يجتمع فيه النور والظلمة، والخير والشر، والإيمان الغامر، والفسوق المستهتر، وإذا كان أبو نواس قد قال ما قال في الخمر والمجون، وأبدى من نفسه ذلك الجانب العاري، فإنه أيضا قد جد فأحسن الجدَّ، وتعبَّد فأحسن العبادة، وتاب فأحسن التوبة” (تاريخ الشعر العربي حتى آخر القرن الثالث الهجري، ص: 464).
لقد حجَّ أبو نواس سنة 190 للهجرة، وحين جَنَّ الليل جعل يلبِّي بشعره ويحدو به، ويطرب، فغنّى بهذه المناجاة الرائعة والتلبية الخاشعة، وتغنّى معه كلُّ من سمعه، وهو يقول:
إِلَهَنا ما أَعدَلَك
مَليكَ كُلِّ مَن مَلَك
لَبَّيكَ قَد لَبَّيتُ لَك
لَبَّيكَ إِنَّ الحَمدَ لَك
وَالمُلكَ لا شَريكَ لَك
ما خابَ عَبدٌ سَأَلَك
أَنتَ لَهُ حَيثُ سَلَك
لَولاكَ يا رَبُّ هَلَك
لَبَّيكَ إِنَّ الحَمدَ لَك
وَالمُلكَ لا شَريكَ لَك
كُلُّ نَبِيٍّ وَمَلَك
وَكُلُّ مَن أَهَلَّ لَك
وَكُلُّ عَبدٍ سَأَلَك
سَبَّحَ أَو لَبّى فَلَك
لَبَّيكَ إِنَّ الحَمدَ لَك
وَالمُلكَ لا شَريكَ لَك
وَاللَيلَ لَمّا أَن حَلِك
وَالسابِحاتِ في الفَلَك
عَلى مَجاري المُنسَلَك
لَبَّيكَ إِنَّ الحَمدَ لَك
وَالمُلكَ لا شَريكَ لَك
اِعمَل وَبادِر أَجَلَك
وَاِختُم بِخَيرٍ عَمَلَك
لَبَّيكَ إِنَّ الحَمدَ لَك
وَالمُلكَ لا شَريكَ لَك
ويقول أبو نواس، أيضًا، شاكيًا ومتضرعًا:
يا رَبِّ إِن عَظُمَت ذُنوبي كَثرَةً
فَلَقَد عَلِمتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ
إِن كانَ لا يَرجوكَ إِلّا مُحسِنٌ
فَبِمَن يَلوذُ وَيَستَجيرُ المُجرِمُ
أَدعوكَ رَبِّ كَما أَمَرتَ تَضَرُّعاً
فَإِذا رَدَدتَ يَدي فَمَن ذا يَرحَمُ
ما لي إِلَيكَ وَسيلَةٌ إِلا الرَجا
وَجَميلُ عَفوِكَ ثُمَّ أَنّي مُسلِمُ
”ملاحظة: هذه الابيات المفضلة لشخص جدا عزيز على قلبي”
في أواخر حياة أبي نواس بدأ يتوب إلى الله، ويتجه نحو الزهد والتوبة، حتى إن الناس لم يصدقوا أن رجلاً مثل أبي نواس يمكن أن يتوب توبة صادقة، يقال انه عندما مات رآه أحد أصدقائه الصالحين في منامه، فسأله عن حاله، فرد عليه أبو نواس: لقد غفر الله لي، فقال له: بم غفر لك، فرد أبو نواس بأبيات كتبتها. وكانت الابيات التي ذكرناها قبل قليل “يارب ان عظمت ذنوبي”
في النهاية اختم بقول الدكتور محمد مصطفى هدَّارة في أبي نواس: “ألم يوجد شعراء ماجنون أشد مجونًا من أبي نواس ثم تابوا وتزهدوا والتزموا ذلك في أشعارهم؟
فلماذا نَشُكُّ في توبة أبي نواس، إن كان قال زهدياته قبيلَ وفاته، كما يذهب بعضُ المؤرخين والكتَّاب، ولماذا نَشكُّ في صدق إيمان أبي نواس؟” (اتجاهات الشعر العربي في القرن الثاني الهجري، ص: 341).



مقال جميل جدًا، حبيت سلاسة تعبيرك وترتيبك للأفكار، حسيت انك أخذتني معك من بداية الفكرة لين النهاية بدون ما أحس بملل، وحتى الخاتمة والاستشهاد كان اختيارهم موفق جدًا. استمتعت بالقراءة والله، أبدعت يا محمد🌷🌷!
شكد لطيف ، غالبا م اقرة مقالات لان احس بملل
بس هلمقال ولانه عن شاعر من صدك ممتع 🤏🏻🤍